حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

153

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ذوات اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصيقلية . وزعم غيره أن البصر يخرج منه شيء فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج ويكون من ذلك إبصار . وفي الأكثر يسمون ذلك الخارج شعاعا . والحق عندي أن نسبة البصر إلى العين نسبة البصيرة إلى القلب ، ولكل من العين والقلب نور . أما نور العين فمنطبع فيها لأنه من عالم الخلق ، فهو نور جزئي ومدركه جزئي ، وأما نور القلب فمفارق لأنه من عالم الأمر ، وهو نور كلي ومدركه كلي . وإدراك كل منهما عبارة عن وقوع مدركه في ذلك النور ، ولكل منهما بل لكل فرد من كل منهما حد ينتهي إليه بحسب شدته وضعفه . ويتدرج في الضعف بحسب تباعد المرئي حتى لا يدركه ، أو يدركه أصغر مما هو عليه . ولا يلزم من قولنا « إن للبصر نورا يقع في المرئي » أن يشتد النور إذا اجتمع بصراء كثيرة في موضع واحد قياسا على أنوار الكواكب والسرج ، فإن ذلك الانضمام من خواص الأنوار المحسوسات ، والملزومات المختلفة لا تستدعي الاشتراك في اللوازم . وهذا القدر من التحقيق في تفسير القلب والسمع والبصر كاف بحسب المقام . ثم اللفظ يحتمل أن تكون الأسماع داخلة في حكم الختم وفي حكم التغشية ، إلا أن الأولى دخولها في حكم الختم لقوله تعالى وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [ الجاثية : 23 ] ولهذا يوقف على « سمعهم » دون « قلوبهم » . وفي تكرير الجار إيذان باستقلال الختم على كل من القلب والسمع ، وإنما وحد السمع لوجوه منها : أمن اللبس كما في قوله : كلوا في بعض بطنكم تعفوا . فإن زمانكم زمن خميص . إذ لا يلتبس أن لكل واحد بطنا ، ولهذا إذا لم يؤمن نحو فرسهم وثوبهم والمراد الجمع رفضوه . ومنها أن السمع في الأصل مصدر والمصادر لا تجمع فلمح الأصل ، ولهذا جمع الأذن في قوله وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] . ومنها أن يقدر مضاف محذوف أي على حواس سمعهم ، ومنها الاستدلال بما قبله وبما بعده على أن المراد به الجمع مثل عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [ النحل : 48 ] يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [ البقرة : 257 ] . السابعة : من الناس من قال : السمع أفضل من البصر ، لتقديمه في اللفظ ولأنه شرط النبوة . فما بعث رسول أصم بخلاف البصر فمن الأنبياء من كان مبتلى بالعمى ، ولأن السمع سبب وصول المعارف ونتائج العقول إلى الفهم ، والبصر سبب وصول المحسوسات إلى المبصر . ولأن السمع يتصرف في الجهات الست دون البصر ، ولأن فاقد السمع في الأصل فاقد النطق ، بخلاف فاقد البصر . ومنهم من فضل البصر لأن متعلق الأبصار النور ، ومتعلق الأسماع الريح . والبصر يرى من بعيد دون السمع ، ولأن عجائب اللّه تعالى في تخليق العين أكثر منها في تخليق السمع . وقد أسمع اللّه كلامه موسى من غير سبق سؤال ونوقش في